تعريف أحوال سادة الأنام النبي و الأثني عشر امام


الامام بعد أبي الحسن الرضا عليه السلام ابنه محمد بن علي بن موسي بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب بن عبدالمطلب بن هاشم بن عبد مناف.

و هو المرتضي الامام التقي، كنيته أبوجعفر.

و هو المعني بقول علماء الطائفة و رواتهم «أبوجعفر الثاني»، و اذا قالوا «أبوجعفر الأول» أو «أبوجعفر» مطلقا فانما يعنون الباقر عليه السلام.

ولد بالمدينة في شهر رمضان سنة خمس و تسعين و مائة.

و أمه أم ولد يقال لها سكينة، و كانت نوبية. و في رواية: أمه أم ولد يقال لها الخيزران، و كانت من أهل بيت مارية القبطية رحمها الله. [1] .



[ صفحه 106]



و هو وصي أبيه و خليفته من بعده.

و كانت سنه حين مات أبوه سبع سنين.

وروي عن محمد بن الخيراني قال: كنت واقفا بين يدي أبي الحسن الرضا عليه السلام بخراسان، فقال قائل: يا سيدي! ان كان كون فالي من؟ فقال: الي أبي جعفر ابني. فكأن القائل استصغر سنه، فقال الرضا عليه السلام: ان الله سبحانه بعث عيسي بن مريم رسولا نبيا صاحب شريعة مبتدأة في أصغر من السن الذي فيه أبوجعفر. [2] .

و كان المأمون لما رأي فضل أبي جعفر و بلوغه في العلم و الحكمة و الأدب و كمال العقل علي صغر سنه ما لم يبلغه أحد من مشايخ أهل زمانه زوجه ابنته أم الفضل، فغلظ [3] ذلك علي العباسيين [4] ، و كرهوه و خافوا أن يفعل معه ما كان



[ صفحه 107]



فعل مع أبيه الرضا عليه السلام من توليته العهد بعده.

ثم ان المأمون جلس و أحضر العباسيين و أحضر يحيي بن أكثم، و كان قاضي الزمان، و أمر أن يفرش لأبي جعفر دست، فخرج أبوجعفر عليه السلام - و هو يومئذ ابن تسع سنين و أشهر - فجلس بين مسورتين و ضعتا له في الدست، و جلس القاضي يحيي بن أكثم بين يديه، و قام الناس في مراتبهم و المأمون جالس في دست متصل بدست أبي جعفر [عليه السلام]. [5] .

فاستأذن يحيي بن أكثم المأمون أن يسأل أباجعفر عن مسائل كان قد أعدها له، و ظن أنه يعجز عن جوابها.

فقال له المأمون: استأذنه في ذلك.

فقال ابن أكثم: أتأذن جعلت فداك في مسألة؟

فقال أبوجعفر عليه السلام: سل ان شئت.

فسأله عن محرم قتل صيدا.

فأجابه عليه السلام بما حير ابن أكثم، و تبين للجماعة أنه أعلم أهل زمانه.

فقال المأمون: الحمد لله علي التوفيق و اصابة الرأي.

ثم قال: اخطب لنفسك فقد رضيتك لنفسي، و أنا مزوجك أم الفضل ابنتي و ان رغم قوم لذلك.

فقال أبوجعفر: الحمد لله اقرارا بنعمته، و لا اله الا الله اخلاصا لوحدانيته، و صلي الله علي محمد سيد بريته، و الأصفياء من عترته. أما بعد، فقد كان من



[ صفحه 108]



فضل الله علي الأنام أن أغناهم بالحلال عن الحرام، فقال سبحانه (و انكحوا الأيامي منكم و الصالحين من عبادكم و امائكم ان يكونوا فقراء يغنهم الله من فضله و الله واسع عليم) [6] ، ثم ان محمد بن علي بن موسي خطب أم الفضل بنت عبدالله المأمون، و قد بذل لها من الصداق مهر جدته فاطمة بنت محمد عليهماالسلام، و هو خمسمائة درهم جياد، فهل زوجته يا أميرالمؤمنين بها علي هذا الصداق المذكور؟

فقال المأمون: نعم قد زوجتك أباجعفر أم الفضل ابنتي علي الصداق المذكور، فهل قبلت النكاح؟

قال أبوجعفر: قد قبلت ذلك و رضيت به.

فأمر المأمون أن يقعد الناس علي مراتبهم علي الخاصة و العامة. [7] .

ثم جاء الخدم بالغاية فطيب بها لحي الخاصة ثم العامة، و وضعت الموائد و أكل الناس، و خرجت الجوائز الي كل قوم علي قدرهم.

فلما كان من الغد جاء القواد و الحجاب و العمال لتهنئة المأمون و أبي جعفر، و نثرت البدر و الرقاع مكتوبا فيها الجوائز. و تقدم المأمون بالصدقة علي كافة المساكين. و لم يزل مكرما لأبي جعفر، يؤثره علي ولده و جماعة أهل بيته.

ثم خرج أبوجعفر منصرفا من عند المأمون و معه أم الفضل، متوجها الي



[ صفحه 109]



المدينة. [8] .

فروي أنه لما صار الي الكوفة دخل المسجد، و كان في صحنه نبقة لم تحمل بعد، فدعا بكوز فيه ماء فتوضأ تحتها، و قام فصلي المغرب و نافلتها ثم صلي العشاء الآخرة و خرج، فرأي الناس تلك النبقة و قد حملت حملا حسنا، فأكلوا منه فوجده نبقا حلوا لا عجم له. [9] .

ثم مضي عليه السلام الي المدينة، فأقام بها الي أن أشخصه المعتصم الي بغداد، و ذلك في أول سنة عشرين و مائتين، فورد بغداد لليلتين بقيتا من المحرم من هذه السنة المذكورة، و توفي بها في ذي القعدة من هذه السنة.

و قيل: انه مضي مسموما [10] ، غير أنه لم يثبت بذلك خبر عند محققي الأصحاب.



[ صفحه 110]



و دفن في مقابر قريش، في ظهر جده أبي الحسن موسي بن جعفر. [11] .

و كان سنه يوم قبض خمسا و عشرين سنة.

و كانت مدة خلافته و امامته بعد أبيه سبع عشرة سنة.

و نص بالامامة من بعده علي ابنه بن محمد عليهماالسلام.


***

[1] روضة الواعظين 1 : 243 مجلس في ذكر امامة ابي جعفر محمد بن علي و مناقبه عليه السلام، كشف الغمة 2 : 345، المقنعة: 482 باب نسب أبي جعفر محمد بن علي بن موسي عليهم السلام، تهذيب الأحكام 6 : 90 باب نسب أبي جعفر محمد بن علي بن موسي عليهم السلام و تاريخ مولده و وقت وفاته، و راجع البحار50 : 11 / 11 باب 1 مولده و وفاته و أسمائه عليه السلام.

[2] الارشاد 2 : 279 باب ذكر طرف من النص علي أبي جعفر محمد بن علي عليهم السلام، اعلام الوري: 346 الفصل الثاني في ذكر النصوص الدالة علي امامته، روضة الواعظين 1 : 237 مجلس في ذكر امامة أبي جعفر محمد بن علي و مناقبه عليهم السلام، كشف الغمة 2 : 353، بحارالأنوار 14: 256 / 53 باب 18، فضله و رفعة شأنه و معجزاته، و أيضا 50 : 23 / 15.

[3] في الأصل المخطوط: «فغلط».

[4] في الأصل المخطوط: «العباسين».

[5] الارشاد 2 / 283.

[6] سورة النور24 : 32.

[7] الاحتجاج 2 : 243.

[8] الارشاد 2 : 283 باب طرف من الاخبار عن مناقب أبي جعفر، الاحتجاج 2 : 444 احتجاج أبي جعفر محمد بن علي الثاني، كشف الغمة 2 : 355 و أما مناقبه، بحارالأنوار 50 : 76 / 3 باب 4، تزويجه.

[9] الارشاد 2 : 289 باب طرف من الأخبار عن مناقب أبي جعفر عليه السلام و دلائله و معجزاته، اعلام الوري: 354 الفصل الرابع في مناقبه و فضائله، روضة الواعظين 1 : 241 مجلس في ذكر امامته، المناقب 4 : 390 فصل في معجزاته، و انظر: بحارالأنوار 50 : 57 باب 3، معجزاته صلوات الله عليه.

[10] كما في تفسير العياشي 1 : 320، و المناقب 4 : 379 فصل في المقدمات، و روضة الواعظين 1 : 243 مجلس في ذكر امامة أبي جعفر محمد بن علي عليهم السلام. و انظر: الارشاد 2 : 295 باب ذكر وفاة أبي جعفر عليه السلام، و أيضا كشف الغمة 2 : 361 ذكر وفاة أبي جعفر عليه السلام، كما في بحارالأنوار 50 : 2 / 5 باب 1، مولده و وفاته و أسمائه.

[11] الارشاد 2 : 295.